عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
25
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
محمد صلّى اللّه عليه وسلم وبالمرسلين ، صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أحمعين ، ونسبتهم إلى الجهل إذ لم يجمعوا المال كما جمعت ، ومتى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى من تركه ، فقد زعمت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لم ينصح أمته إذ نهاهم عن جمع المال ، كذبت وربّ السماء على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، بل كان صلّى اللّه عليه وسلم للأمة ناصحا ، وعليهم مشفقا ، وبهم رؤوفا رحيما ؛ ويحك أيها المفتون هذا عبد الرحمن بن عوف رضى اللّه عنه في فضله وتقاه وصنائعه المعروفة ، وبذله الأموال في سبيل اللّه تعالى مع صحبته لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وبشراه بالجنة ، يوقف في عرصة القيامة وأهوالها بسبب مال اكتسبه من حلال للتعفف وصنائع المعروف ، وأنفق منه قصدا وأعطى في سبيل اللّه سبحانه ، منع من السعي إلى الجنة مع الفقراء المهاجرين ، وصار يحبو في آثارهم حبوا ، فما ظنك بأمثالنا الغرقى في فتن الدنيا ؟ وبعد : فالعجب كلّ العجب من كلّ مفتون متمرغ في تخاليط الشبهات والسحت ، يكالب على أوساخ الناس ، ويتقلب في الشهوات والزينة والمباهاة وفتن الدنيا ثم يحتجّ بعبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه ، ثم قال المحاسبي رضي اللّه عنه بعد كلام طويل حسن ذكر فيه الصحابة رضى اللّه عنهم : كانوا للمسكنة محبين ، ومن خوف الفقر آمنين ، وباللّه تعالى في أرزاقهم واثقين ، وبمقادير اللّه عزّ وجلّ مسرورين ، وفي البلاء راضين ، وفي الرخاء شاكرين ، وفي الضرّاء صابرين ، وفي السرّاء حامدين ، وكانوا للّه متواضعين ، وعلى أنفسهم مؤثرين ، وعن حبّ العلو والتكاثر ورعين ، وكانوا إذا أقبلت عليهم الدنيا حزنوا ، وإذا أقبل عليهم الفقر قالوا : مرحبا بشعار الصالحين ، فباللّه عليك أكذلك أنت ؟ واللّه إنك لبعيد الشبه بالقوم ، حالك ضد أحوالهم ، تطغى عند الغنى ، وتبطر عند الرخاء ، وتفرح عند السرّاء ، وتغفل عند أداء شكر النعماء ، وتقنط عند الضرّاء ، وتسخط عند البلاء ، ولا ترضى بالقضاء ، وتبغض الفقر ، وتأنف من المسكنة ، وتجمع المال لتنعم بالدنيا وزهرتها وشهواتها ولذاتها ، ولقد كانوا فيما أحلّ اللّه لهم أزهد منك فيما حرّم اللّه عليك ، وكانوا للزلة الصغرى أشدّ استعاظاما منك من كبار المعاصي ، فليت أطيب أموالك وأحلها مثل شبهات أموالهم ، وليتك أشفقت من سيئاتك كما أشفقوا من حسناتهم أن لا تقبل ، وليت صومك مثل إفطارهم ، وسهرك مثل نومهم ، وليت حسناتك مثل واحدة من حسناتهم ، ويحك